أحمد بن محمد الخضراوي
195
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه
المناصب العلية في أيديهم يتلقونها كابرا عن كابر ، ويعقدون عليها في مقام الافتخار بالخناصر ، من القضاء والفتوى والتدريس والإمامة والخطابة ببلد اللّه النفيس ، وكان منصب الخطابة قديما ينتقل بمكة في ثلاثة بيوت : الطبريين والظّهيريين والنويريين ، وبيت الطبري أقدمهم في ذلك ، كما يعلم من كتب التواريخ القديمة ، ومن خطباء الطبريين المحب الطبري [ والبهاء الطبري ] ، ثم إنه في حدود الثلاثين وألف جدد خطيب مالكي ، ثم آخر حنبلي في عام ثلاث وأربعين ، وكان منصب الخطابة محفوظا عن أحداث الناس ، فلا يقلده إلا العظيم علما أو نسبا . واتفق في عام واحد وأربعين أن باشر الخطابة الشيخ محمد المنوفي ، فورد أمر من وزير مصر مخاطبا به صاحب مكة وقاضيها وشيخ حرمها بمنعه من ذلك ، فلما جاءت نوبته امتنع قاضي مكة إذ ذاك شكر اللّه أفندي من الصلاة خلفه ، فأرسل إلى الشريف زيد ، وكان بمصلاه بالمسجد الحرام ، وقد صعد المنبر وخطب ، فأرسل إليه الشريف ومنعه من الصلاة ، وأشار إلى غيره فصلى بالناس . ثم الخطباء في زماننا بغاية الكثرة ، بحيث إنه لم يصل الواحد منهم إلى نوبته إلا بعد مضي سنة ، ولبني الطبري مزيد التقوى والورع والصلاح ، وتوفر أسباب الخير والفلاح ، وزيادة الألفة بينهم وبين ولاة مكة المشرفة ، والتراسل بينهم بالأشعار الحسنة اللطيفة مما هو مذكور في التواريخ المذكورة وغيرها ، حتى إن تلك الألفة بينهم اقتضت المواصلة بالمصاهرة ، [ وأكملت ما هو من أسباب المفاخرة ] « 1 » .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين من ( خلاصة الأثر )